عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

416

اللباب في علوم الكتاب

يصل الرحم ، ولا يردّ الوديعة ، فإذا صار هكذا ، سقط وقع الذنوب عن قلبه ، ويصير غير مبال بارتكابها ، وهناك يتّسع الخرق ، ويصير مقداما على كلّ الذنوب ، وذلك هو الفحشاء ، وتحقيقه : أنّ لكل خلق طرفين ، ووسطا ، فالطرف الكامل : هو أن يكون بحيث يبذل كلّ ما يملكه في سبيل اللّه : الجيّد ، والرديء ، والطرف الفاحش النّاقص لا ينفق شيئا في سبيل اللّه : لا الجيد ، ولا الرديء ، والمتوسط بأن يبخل بالجيد ، وينفق الرديء ، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش ، لا يمكنه إلّا بأن يجره إلى الوسط ، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام ، انقطع طمع الشيطان عنه ، وإن أطاعه فيه ، طمع في أن يجرّه من الوسط إلى الطرف الفاحش ، فالوسط : هو قوله تعالى : « يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ » والطرف الفاحش قوله تعالى : « وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ » . وقال القرطبيّ « 1 » : « الفحشاء » : المعاصي ، قال : ويجوز في غير القرآن : ويأمركم الفحشاء بحذف الباء ، وأنشد سيبويه : [ البسيط ] 1232 أ - أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب « 2 » فصل في بيان هل الفقر أفضل من الغنى ؟ ! تمسك بعضهم « 3 » بهذه الآية في أنّ الفقر أفضل من الغنى ، لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير ، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه . قال ابن عطية : وليس في الآية حجّة ؛ لقوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [ سبأ : 39 ] ثم قال : وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم ، كقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] . وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة : أحدهما : التنكير في لفظ « المغفرة » ، والمعنى : مغفرة وأيّ مغفرة . والثاني : قوله : « مَغْفِرَةً مِنْهُ » يدل على كمال حال هذه المغفرة ؛ لأن كمال كرمه ونهاية جوده ، معلوم لجميع العقلاء ، فلما خص هذه المغفرة بكونها منه ، علم أنّ

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 213 . ( 2 ) البيت لعمرو بن معدي كرب ينظر ديوانه ص 63 ونسب أيضا لخفاف بن ندبة ينظر ديوانه ص 126 وللعباس بن مرداس ينظر ديوانه ص 131 ونسب أيضا لأعشى طرود ولزرعة بن خفاف ينظر الكتاب 1 / 37 خزانة الأدب 1 / 339 - 342 و 9 / 124 ، المحتسب 1 / 51 - 372 ، المقتضب 2 / 36 - 86 - 321 شرح أبيات سيبويه 1 / 250 ، شرح شواهد المغني ص 727 مغني اللبيب ص 315 ، الأشباه والنظائر 4 / 16 ، 8 / 51 ، اللامات ص 139 شرح المفصل 8 / 50 ، شرح شذور الذهب ص 477 ، الدرر 5 / 186 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 213 ، والمحرر الوجيز 1 / 364 .